ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

59

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

منى النّفس في أسماء لو تستطيعها « 1 » وهي قصيدة مدح بها الخليفة المتوكل رحمه اللّه ، وذكر فيها حديث الصلح بين بني تغلب ؛ فمما جاء فيها قوله : رفعت بضبعي تغلب ابنة وائل * وقد يئست أن يستقلّ صريعها فكنت أمين اللّه مولى حياتها * ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها تألّفتهم من بعد ما شرّدت بهم * حفائظ أخلاق بطيء رجوعها فأبصر غاويها المحجّة فاهتدى * وأقصر غاليها ودانى شسوعها فقوله « تألفتهم من بعد ما شردت بهم » يجوز أن تخفف لفظة « شردت » ويجوز أن تثقل ، والتثقيل هو الوجه ؛ لأنه في مقام الإصلاح بين قوم تنازعوا واختلفوا ، وتباينت قلوبهم وآراؤهم ، وكل ما يجيء من الألفاظ على هذا النحو فينبغي أن يجري هذا المجرى . وهاهنا نكتة لا بد من التنبيه عليها ، وذلك أن قوة اللفظ لقوة المعنى لا تستقيم إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها ، كنقل الثلاثي إلى الرباعي ، وإلا فإذا كانت صيغة الرباعي مثلا موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة ، ألا ترى أنه إذا قيل في الثلاثي قتل ثم نقل إلى الرباعي فقيل قتّل - بتشديد التاء - فإن الفائدة من هذا النقل هي التكثير : أي أن القتل وجد منه كثيرا ، وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على التكثير ، كقوله تعالى : وكلم الله موسى تكليما فإن كلّم على وزن قتّل ، ولم يرد به التكثير ، بل أريد به أنه خاطبه ، سواء كان خطابه إياه طويلا أو قصيرا ، قليلا أو كثيرا ، وهذه اللفظة رباعية ، وليس لها ثلاثي نقلت عنه إلى الرباعي ، لكن قد وردت بعينها ولها ثلاثي ورباعي فكان الرباعي أكثر وأقوى فيما دل عليه من المعنى ؛ وذاك

--> ( 1 ) هذا صدر البيت ، وعجزه قوله : بها وجدها من غادة وولوعها